هاني صلاح
أقلية مسلمة تنتمي إلى الطبقة المثقفة ومن أصول متنوعة.. تترية، عربية، تركية، إيرانية، ألبانية، بوسنية، شيشانية، صومالية، إضافة لأصول بولندية بعد إعتناقها الإسلام..
الخريطة الزمنية لمراحل توافدهم وحضورهم لبولندا، كانت هى العامل الأساسي الذي شكل خريطتهم العرقية الواسعة، "والتي تعكس عالمية الإسلام.. وأنه دين ليس حكراً فقط على العرب، بل دين جاء للإنسانية جمعاء".. كما يقول الدكتور د.سمير اسماعيل، رئيس مجلس امناء الرابطة الإسلامية في جمهورية بولندا.
ويصنف د.إسماعيل والذي يترأس أيضاً مؤسسة "الجمعية الإسلامية للتأهيل والثقافة"، خلال حواره عبر الهاتف مع "شبكة إسلام أون لاين.نت"، مسلمو بولندا بأنهم: "ينتمون إلى الطبقة المثقفة، فجلهم من خريجي الجامعات البولندية، وغالبيتهم مهنيين يعملون في مجالات مختلفة، كأطباء ومهندسين وأساتذة جامعات، بالاضافة إلى تجار ورجال أعمال يتسمون بدرجة عالية من الثقافة".
وحول عدد مسلمو بولندا، أوضح د.إسماعيل بأنه: "يمكن القول بأن الأقلية المسلمة بجميع أطيافها العرقية والاجتماعية يتراوح عددها ما بين 30-35 الف"، يتواجد نحو 40% منهم في وارسو العاصمة وحدها.
ومع وفود الطلاب المسلمين وغالبيتهم كانوا من العرب للدراسة في بولندا خلال العقدين السابع والثامن من القرن الماضي، بدأت تدب الدعوة من جديد وسط الأقلية التترية المسلمة، والتي تعرضت لعقود من التذويب خلال الحقبة الشيوعية.
يوصف هذه الفترة د.إسماعيل بأنها: "مثلت لنا سعادة لنا أن وجدنا إخوة لنا مسلمين في هذه البلاد شكلوا لنا سندأ في الغربة، كما كنا بالنسبة لهم كالمنقذ بعدما تعرضوا له خلال الشيوعية وقمنا بدورنا في تعليم أبنائهم الإسلام وتربيتهم عليه".
بدء الدعوة
وحول هذه المرحلة الجديدة أوضح يوسف شديد، رئيس جمعية الطلبة المسلمين في بولندا، خلال اتصال هاتفي معه، بأن: "في بداية ثمانينات بذلت مجموعة من الطلاب الوافدين جهود دعوية بشكل فردي بالمدن التي يتواجدون فيها".
ثم مثل التحول التاريخي الذي حدث في بولندا في عام 1989م، انطلاقة للعمل الإسلامي المؤسسي الرسمي، حيث "قامت مجموعة من الشباب بتأسيس جمعية الطلبة المسلمين في بولندا في 1989م، بهدف تجميع وتنظيم تلك الجهود الفردية"، وفقاً لشديد.
ومع تزايد أعداد مسلمو بولندا وانتشارهم في العديد من المدن، تأسست في منتصف التسعينيات "الجمعية الإسلامية للتأهيل والثقافة" في بولندا، بهدف "تأسيس مراكز إسلامية بالمدن الكبرى في بولندا والتي تتواجد فيها الأقلية المسلمة، بالاضافة إلى إعداد الكادر الديني والدعوي من أبناء المسلمين المحليين لقيادة العمل الدعوي في المرحلة التالية"، وفقاً لتصريح عبدالجبار الكبيسي، المسئول المالي والأوقاف للجمعية، لـ"إسلام أون لاين.نت".
وبشأن الاعتراف بالإسلام من قبل الدولة، قال أنه: "وفقاً لاتفاقية سابقة عقدت بين الدولة والاتحاد الديني للمسلمين التتار عام 1925، فإنه يمكن اعتبار بأن الإسلام معترف به في بولندا مثل النمسا". لافتاً بأن هذه الاتفاقية يجري حالياً مفاوضات بشأن تحديثها وتطويرها بين الاتحاد والبرلمان.
وحول من يتحدث باسم مسلمي بولندا أكد أن هناك عدد من المؤسسات الدينية وبعضها سني وبعضها شيعي، موضحاً بأن: "الحكومة البولندية وبعد انضمامها للاتحاد الأوروبي تسلك ترفض أسلوب الهيمنة والشمولية من قبل مؤسسة دينية واحدة على كافة المؤسسات الدينية الأخرى من نفس الديانة". مشيراً إلى أن القانون الجديد البولندي يعطي الحق لنحو 100 من حاملي الجنسية البولندية من أي مذهب ديني في تأسيس اتحاد ديني لاتباعه.
ولفت إلى أنه: "وفقاً للقانون البولندي فإن المؤسسات تنقسم لنوعين"، موضحاً بأن النوع الأول يمثل مؤسسات ثقافية وتسجل لدى المحاكم البولندية، بينما النوع الثاني يعد اتحادات دينية يتم تسجيلها لدى إدارة "الأديان والأقليات العرقية" بوزارة الداخلية البولندية.
وأوضح د.إسماعيل، بأنه: "في البداية كان هناك اتحاد ديني واحد يمثل المسلمين السنة في بولندا، وهو "الإتحاد الديني الإسلامي"، الذي يجمع كافة التتار المسلمين في بولندا، ويعد المؤسسة الأقدم في بولندا حيث تأسس طبق اتفاقية مع مملكة بولندا عام 1925م".
واضاف: "ومع تزايد أعداد الجالية المسلمة وتنوعها الواسع في أصولها العرقية، اضطرينا لإنشاء اتحاد ديني ثان ليحتضن كافة مسلمي بولندا من كافة الأعراق". ومشيراً إلى أنهم أطلقوا عليه اسم "الرابطة المسلمة في بولندا".
وعلل سبب إقدامهم على هذه الخطوة بتأسيسهم لاتحاد ديني ثان للمسلمين السنة في بولندا على من وجود هذا الاتحاد التتري المسلم ووجود تعاون وثيق معه، أنه: "كان مقتصر فقط على التتار المسلمين في بولندا، حيث لم يكن قانونه الداخلي في هذا الوقت يسمح لغيرهم بالانضمام إليه". مؤكداً بأن الرابطة أضحت المؤسسة الدينية الأكبر التي تحتضن غالبية المسلمين، حيث "أصبح لها تواجد في 11 محافظة من الـ16 محافظة التي تتشكل منها بولندا".
تنسيق وتخصص
ازدياد عدد المؤسسات وتوسعها على المساحة الجغرافية لبولندا، دفعت ببعض المؤسسات إلى نوع من التنسيق فيما بينهم ومع البدء في التخصص، وفقاً لـ"شديد"، والذي يوضح بأن "جمعية الطلبة المسلمين في بولندا" قررت مؤخراً وبالتنسيق مع الجمعية الإسلامية للتأهيل والثقافة والرابطة الإسلامية في بولندا تركيز أنشطتها الدعوية مع فئة الشباب والطلاب".
من جهتها ونظراً لوجود اتحادين للمسلمين السنة مع اتحاديين آخرين للشيعة، فقد أطلقت الرابطة المسلمة في بولندا قبل ثلاث سنوات مبادرة لتكوين مجلس إسلامي أعلى بهدف "توحيد كافة الاتحادات الإسلامية تحت مظلته ويتحدث باسمنا أمام الدولة". ولفت إلى أنه بالرغم من ترحيب كافة الأطراف به في بداية الأمر، إلا أنه: "ما زالت هناك بعض الخلافات حوله من بعض الأطراف". وفقاً للدكتور إسماعيل.
والذي يشير إلى أنه: يوجد في بولندا ثلاث مساجد مبنية بالمنارة والقبة، اثنين منها أثرية بنيا خلال القرنين الماضيين، بينما الثالث بنى في أواسط الثمانيات وتم افتتاحه بشكل رسمي عام 1990 بمدينة غدانسك شمال بولندا. كما يوجد مصلى صغير في ضواحي العاصمة وراسو بعيداً عن مركز المدينة. وهو ما دفع كل من الجمعية الإسلامية للتأهيل والثقافة، والرابطة الإسلامية في بولندا، للبدء قبل خمس سنوات في مشروع بناء مسجد ومركز إسلامي جديد بالقرب من مركز العاصمة وتم انجاز نحو 45% من المشروع حتى الآن"، وفقاً للدكتور اسماعيل.
مراحل التواجد الإسلامي
وحول بداية العلاقات الإسلامية العربية البولندية، أكد د.إسماعيل أنها: "تعود للقرن العاشر الميلادي، وفقاُ ما ورد في بعض المؤلفات التاريخية، إضافة لبعض الآثار من العملات الإسلامية وغيرها"، مشيراً إلى أنه كان عبر بعض التجار العرب.
إلا أنه أوضح بأن التواجد على الأراضي البولندية يمتد لنحو 6 قرون ومر بأربع مراحل زمنية، مشيراً إلى أن: "المسلمون التتار هم أول مجموعة وفدت إلى بولندا في القرن الثالث عشر واستمر توافدهم حتى القرن الثامن عشر الميلادي، وقد سكنوا مناطق في كل من وبولندا وليتوانيا التي كانت آنذاك ضمن المملكة البولندية. وحالياً يقدر عددهم حالياً بنحو ثلاثة الاف ويسكنون مناطق بياوستوك، وارسو، جدانسك، البلونج في شمال شرق بولندا.
ثم في مرحلة ثانية بدأت "تتوافد موجات من المهاجرين المسلمين متعددة الاصول والاعراق للعمل او التجارة، ابتداءاً من القرن 18 وحتى أوائل القرن 20، وقد تمركزت بشكل رئيسي في وارسوالعاصمة".
وأوضح بأن أصول تلك المجموعات تركزت بشكل أساسي من القوقاز واذربيجان، وانضم اليهم لاحقا بعض العائلات المسلمة المهاجرة من تركيا وايران وبعض العائلات العربية. ويقدر عدد تلك المجموعات المسلمة حالياً بنحو 10 الاف.
بينما المرحلة الثالثة من الحضور لبولندا بدأت في النصف الثاني من القرن الماضي ولأسباب مختلفة كالدراسة في الجامعات البولندية، أو لتجارة واقامة المشاريع الاقتصادية، بالاضافة إلى الأفواج السياحية، والهيئات الدبلوماسية بموظفيها وعائلاتهم وكانت خليط من أجناس عربية وغيرها.
يضاف لهؤلاء "هجرات اللاجئين من المناطق المنكوبة، من دول البلقان والشيشان والصومال وافغانستان، وغيرها من الدول التي تعيش حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني".
ولفت د.إسماعيل إلى أن: "إقامة هؤلاء اللاجئين تعد مؤقتة، نظراً لأن غالبيتهم لم تحسم قانونياً بعد". مشيراً إلى أن: "عددهم يصل لنحو 10 ألاف نسمة، ويقيمون بضواحي المدن الكبرى".
بينما المرحلة الرابعة تكونت خلالها مجموعة جديدة من أهل البلاد أنفسهم تتمثل في دخول أعداد منهم في الإسلام، خلال القرن العشرين والواحد والعشرين، وتتراوح أعدادهم ما بين 3-5 الف نسمة، وأضاف مؤكداً بأنه: "نستطيع القول ان القرن العاشر الميلادي كان بداية للقاء تعارفي والقرن الثالث عشر كان بداية توافد المسلمين الى بولندا والاقامة فيها".
وتاريخياً كانت علاقة الدولة العثمانية بالمملكة البولندية في مراحل مختلفة جيدة، حيث كانت ترى الأخيرة أن مصدر الخطر الرئيسي يأتي من الشرق من قبل الدب الروسي الطامع في التوسيع داخل الأراضي البولندية، أو من قبل الحملات الصليبية التي زحفت عليها من الغرب.
وتعد بولندا هي واحدة من الدول الأصغر سنا في القارة الأوروبية بحيث أنه لا يتعدى عمر نصف المجتمع فيها خمسة وثلاثين عاما، وبالإضافة إلى ذلك فإنها تحتل المركز الثاني في أوروبا بالنسبة إلى عدد طلاب الجامعات، وفقاً لبوابة بولندا الالكترونية على شبكة الانترنت باللغة العربية.
ويبلغ عدد سكان بولندا نحو 40 مليون، يشكل البولنديون الغالبية الساحقة منهم بنحو 97%، ويدين نحو 90% بالكاثوليكية، على خلاف الشعوب الأخرى في شرق أوروبا والتي تدين بالمذهب الأرثوذكسي.
| następna » |
|---|
























